عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
457
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
قال وروينا فيه قصة أخرى عن خوات بن جبير ، عن عمر ( 1 ) وعبد الرحمن بن عوف وأبي عبيدة بن الجراح في كتاب الحج ، قال فيها خوات . فما زلت أغنيهم ، حتى إذا كان السحر . وروي أيضاً ( 2 ) بإسناد صحيح ، عن أسامة بن زيد - رضي الله عنه - أنه كان في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم مضطجعًا ، رافعًا إحدى رجليه عَلَى الأخرى يتغنى بالنصب . وعن أبي مسعود الأنصاري وغيره من المهاجرين والأنصار أنهم كانوا يتغنون بالنصب . فتبين بهذه الروايات ، أن ترخص الصحابة - رضي الله عنهم - إِنَّمَا كان في إنشاد شعر الجاهلية . وفيه من الحكم ، وغيرها - عَلَى طريق الحداء ونحوه - مما لا يهيج الطباع إِلَى الهوى . ولهذا كانوا يفعلونه في مسجد المدينة ، ولم يكن في شيء من ذلك غزل ولا تشبيب بالنساء ولا وصف محاسنهن ، ولا وصف خمر ونحوه مما حرمه الله تعالى . وقال ابن جريج ، سألت عطاء عن الغناء بالشعر . فَقَالَ : لا أرى به بأسًا ما لم يكن فحشًا وهذا يشير إِلَى ما ذكرناه ، وعلى مثل ذلك يُحمل ما روي فيه عن عروة بن الزبير ، وغيره من التابعين من الرخصة . وقال إسحاق بن منصور : قلت لأحمد بن حنبل : ما تكره من الشعر ؟ قال : الهجاء ، والشعر الرقيق الَّذِي يشبب بالنساء ، وأما الكلام الجاهلي فما أنفعه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إِنَّ من الشعر لحكمة " ( 3 ) . قال إسحاق بن راهويه كما قال . وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسمع شعر حسان وغيره ( 4 ) . واستنشد من شعر أمية بن أبي الصلت ( 5 ) . فمن استدل بشيء من ذلك عَلَى إباحة الغناء المذموم فقد غلط . وقد رُوي المنع من الغناء عن خلق من التابعين فمن بعدهم ، حتى قال الشعبي : لُعن المغني والمغنى له .
--> ( 1 ) في " السنن الكبير " للبيهقي ( 5 / 68 - 69 ) . ( 2 ) في " السنن الكبير " ( 10 / 224 - 225 ) . ( 3 ) أخرجه البخاري ( 6145 ) . ( 4 ) أخرجه البخاري ( 6153 ) من حديث أبي هريرة ، ومسلم ( 2255 ) من حديث الشريد الثقفي . ( 5 ) أخرجه البخاري ( 6147 ) .